سميرة مختار الليثي

234

جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول

كانت فكرة حفر الخندق حول المدينة لا تجدي شيئا ، ولا تحول دون إجتياز جند العبّاسيّين الخندق . فقد كان معظم هؤلاء الجند من الفرسان وتستطيع خيولهم اقتحام الخندق والوصول إلى المدينة بينما كان معظم جند محمّد النّفس الزّكيّة من الرّجالة وقد فطن بعض أصحاب النّفس الزّكيّة إلى هذه الحقيقة وأشاروا عليه بالعدول عن حفر الخندق ، فقال أحدهم : « لا تخندق الخندق فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خندق خندقه لما اللّه أعلم به ، فإنّك إن خندقته لم يحسن القتال رجاله ، ولم يوجه لنا الخيل بين الأزقة ، وإنّ الّذين يخندق دونهم هم الّذين يقاتلون فيها ، وإنّ الّذين يخندق عليهم يحول الخندق دونهم » « 1 » . وأصرّ النّفس الزّكيّة على رأيه ، وقال : « إنّما أتبعنا في الخندق أثر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فلا يردّني عنه أحد « 2 » ، فلست بتاركه » « 3 » . ونجح العبّاسيون في إجتياز الخندق ، ودارت المعارك في طرقات المدينة واختلط الحابل بالنّابل ، ودبّ الذّعر في القلوب ، وانشغل جند محمّد بحماية ذرّاريهم ، وخرجوا بهم إلى الجبال ، وأمر محمّد أحد أصحابه بإعادتهم ، فردّ من قدر عليه منهم ، فأعجز كثير منهم فتركهم « 4 » . وكان جديرا بمحمّد النّفس الزّكيّة في هذا الموقف الحرج ، أن يجمع أشتات جنده ، ويبث الحمية في قلوبهم ويعيد تنظيم صفوفهم ويحثّهم على الصّمود

--> ( 1 ) انظر ، ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 6 / 207 ، ابن الأثير ، الكامل في التّأريخ : 5 / 545 . ( 2 ) كان محمّد النّفس الزّكيّة يعتز بأنّ اسمه محمّد وأنّ اسم أبيه هو عبد اللّه ، تشبها بالرّسول عليه الصّلاة والسّلام ، كما كان محمّد النّفس الزّكيّة خالصا نقيّا من قريش أبا وأمّا . انظر ، الشّريف تاج الدّين ، غاية الاختصار : 12 . ( 3 ) انظر ، ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 6 / 207 . ( 4 ) انظر ، ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 6 / 209 .